محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
247
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
الشيخ أبو الحسن ، رضي اللّه تعالى عنه : « عليك بورد واحد ، وهو : إسقاط الهوى ومحبة المولى ، أبت المحبة أن تستعمل محبّا إلّا فيما يوافق محبوبه » . وعلموا أن الأنفاس أمانات الحق عندهم وودائعه لديهم فعلموا أنهم مطالبون برعايتها ، فوجّهوا هممهم لذلك ، وكما أنّ له الربوبية الدائمة كذلك حقوق ربوبيته عليك ( دائمة ؛ فربوبيته غير مؤقّتة بالأوقات ، فحقوق ربوبيته عليك ) ينبغي أن تكون أيضا كذلك ؛ لذلك قال الشيخ أبو الحسن ، رضي اللّه عنه : « إن لكل وقت سهما يقتضيه الحق منك بحكم الربوبية » ا ه . من استغرب أن ينقذه اللّه من شهوته ، وأن يخرجه من وجود غفلته فقد استعجز القدرة الإلهية وكان اللّه على كل شيء مقتدرا . من استرقته الشهوة ، واستولت عليه الغفلة فلا ينبغي له أن يستغرب أن ينقذه اللّه من أسر شهوته ، وأن يخرجه من وجود غفلته لما يشاهد من استحكام ذلك فيه ؛ فإنّ في ذلك نسبة العجز إلى القدرة الإلهية ، واللّه تعالى متّصف بالاقتدار على كلّ شيء ، وهذا من الأشياء . وليعلم العبد أن قلوب العباد ونواصيهم « 1 » بيده ؛ فلا يقنط ، ولا ييأس ، وليقصد باب مولاه بالذلة والانكسار والافتقار ، فعساه يسهل عليه ما استصعبه ويظهر فيه ما استغربه ، وما ذلك على اللّه بعزيز . وليعتبر هذا المعنى بالحكايات التي تروى عن الصالحين الذين تقدّمت لهم في بدايتهم الزلّات ، ووقعت منهم قبل توبتهم الهفوات « 2 » ، فتداركهم اللّه تعالى بلطفه ، واستنقذهم بجوده وعطفه ، فأصلح أعمالهم ، وصفى أحوالهم ، وأبدل سيئاتهم حسنات ، ورفعهم من أسفل سافلين إلى أعلى الدرجات ، كلّ ذلك في أقرب زمان ، وأقصر مدّة وأوان . والحكايات في هذا المعنى عن الشيوخ ، مثل سيدي « الفضيل بن عياض » و « عبد اللّه بن المبارك » و « أبي عقال بن علوان » وغيرهم ، رضي اللّه تعالى عنهم ، معروفة مشهورة . ومن أغرب ما رأيته في هذا المعنى ما رواه عبد الصمد بن مغفل ، عن عمه وهب بن منبه ، رضي اللّه عنهما : أن رجلا قتل نفسا فجاء إلى سائح من سائحي بني إسرائيل ، فسأله عن ذلك قال : فرفع له السائح من الأرض عرجونا أبيض قديما حائلا ،
--> ( 1 ) الناصية . ما يبرز من الشعر في مقدم الرأس يكون حذاء الجبهة . وهي كذلك مقدم الرأس يقال : أخذ فلان بناصية الأمر : أي تمكّن منه . ( 2 ) الهفوات : ( ج ) هفوة : وهي السقطة والزلة .